بريق الجواهر
17-09-2007, 02:15 PM
دلعون سفر المثقف العربي أخطر من تهريب السلاح
تتمحور رواية نبيل سليمان الجديدة «دلعون» حول علاقة المثقف المعارض برجل الأمن والدوائر الرسمية، فبطل الرواية هو الكاتب المعارض دريد اللورقي، وبطلة الرواية هي ابنة خاله الناقدة والمناضلة المنفية بسيمة، وفي المقابل تتعملق صورة جابر العتعوت الأخ للمناضلة ورجل الأمن الذي يخشاه الجميع.
ومن خلال أقطاب العائلة الثلاثة تتبلور اللعبة الروائية لترسم واقع المثقف العربي مبدعا كان أم سياسيا في علاقته المأزومة مع السلطة، تلك العلاقة المبنية على القهر والتوجس التي تتدنى من شأن المثقف اجتماعيا، وتربكه نفسيا، فيتلاشى أثره المفترض، وتنكسر أحلامه تحت وطأة التهديد والذعر، وقد صدرت الرواية هذا العام عن دار الحوار في اللاذقية، وهي تتألف من ثلاثة فصول موزعة على 247 صفحة قطع متوسط. أولى الشخصيات التي تقدّمها الرواية هي شخصية الكاتب دريد اللورقي، وهي شخصية محورية ومفتاحية، فمن خلال تاريخها وتجربتها وعلاقاتها وذاكرتها تتقدم وتتبلور الشخصيات الأخرى، وفي بنيتها الداخلية يتماهى صوت السارد الخارجي تارة وصوت المؤلف تارة أخرى،
مما يجعلها في بعض جوانبها تستعين بسيرة المؤلف الذاتية إلى حد ما، واللورقي كما تصفه سطور الرواية هو الأستاذ الجامعي الشهير باليساري والملحد والمتحلل، عمل في شبابه على توحيد صفوف اليسار، وحمل الدكتوراه من يسوعية بيروت، ولم تسمح له الجهات الأمنية بالعمل من داخل الملاك الجامعي فعمل من خارجه، بعدها سافر إلى الإمارات ودرّس في جامعة الشارقة لمدة خمس سنوات، ثم عاد إلى وطنه ليتفرغ لكتابة الرواية والمقالات.
ظروف هذا الكاتب، هواجسه، أحلام يقظته وتداعياته هي المفاتيح التي تستحضر الشخصيات الأخرى، وباستثناء رجال الأمن فإن أغلب الشخصيات الحاضرة ينتمي إلى النخبة المثقفة والمسيّسة، وكلها ضحايا للقمع والقهر،
ومع أنها كذلك لا يقدمها الراوي بصورة مثالية مغسولة من الأخطاء، بل يقدمها بسلبياتها، بمناطق ضعفها وارتكاساتها، وتحتل تجربة النساء المسيسات مساحة كبيرة في هذا السياق، واللافت هنا أن علاقة الكاتب المثقف (اللورقي) بأغلب نساء الرواية هي علاقة قائمة على الشهوة ومأخوذة من زاوية نظر وحيدة هي زاوية الجسد، علاقات عابرة وسريعة ومدانة في بعض الأحيان كعلاقته بخالته أو علاقته بزوجة أخيه،
وهذه العلاقات تستدرج الكثير من المشاهد والتوصيفات الجنسية التي يوردها الكاتب دون تورية، أما الشخصية النسائية الأهم فهي ابنة الخالة الجميلة بسيمة العتعوت التي هربت من جامعة حلب والتحقت بالمقاومة الفلسطينية صيف 1982، ولقبت نفسها باسم أمها دلعون، وتزوجت الفلسطيني معاوية قدور، وأنجبت غسان، عاشت مدة في موسكو ومدة في النرويج،
ثم انتقلت للتدريس في جامعة الشارقة حيث التقاها الكاتب وشُغف بها، وفي هذه الشخصية التي تتربع على عرش الذاكرة والمشاعر في النصف الأخير من الرواية يتماهى صوت الكاتب الداخلي وصوت الناقد اللاذع بصوت الأنثى الحلم حين تقول في الصفحات الأخيرة: «لا أنت حر ولا أنا حرة، أنت ترش في كتابك وفي حديثك بهارات من البذاءة، ماركة مغشوشة.
لغتك يا دريد مثل لغتي فقيرة ومخصية، أكابرية ومتعالية، وهي ليست لغة الحياة أيها الكاتب الميت، هذه لغة لا تحس بالكون» (ص238). تبدأ الحكاية من اللورقي وهو يستعد للسفر إلى الشارقة بناء على دعوته للمشاركة في معرض الكتاب، والرحلة يتخللها لقاء الروائي بأصدقائه القدامى ومحاضرة يلقيها حول الدكتاتور في الرواية العربية،
وهي تنتهي بتوقيفه في مطار دمشق لمدة يوم وعدد من اللكمات تصيب ظهره بآلام مبرحة وتطرحه في الفراش، ومحطات هذه الرحلة القصيرة التي لا تتعدى الأيام تفتح الذاكرة على عمر بأكمله: سنوات الطفولة والشباب، مرحلة المد اليساري والحماس والنضال السري، الاقتتال ما بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين،
الرفاق الذين اعتقلوا وأؤلئك الذين فروا وعاشوا في المنافي والذين تتقاطع تجاربهم مع تجارب عرب آخرين منفيين، تنفتح الذاكرة على هدي التداعي وتعانق أحلام اليقظة دون تسلسل للأحداث المتفرعة أو تحديدات زمنية أو مكانية صارمة،
تنفتح عبر الإشارات والإحالات والتقديم والتأخير، لترسم معالم مرحلة الحلم بتغيير الواقع العربي والدفع به نحو الأمام، مرحلة انتهت بهزيمة نكراء على كافة الصعد والمستويات، وانتهت بردات وانتكاسات خطيرة شملت معظم رفاق الدرب.
إذن هي رحلة تستدرج رحلة أخرى في أعماق الكاتب وماضيه، في ظروف حياته وإشكالاته ومناطق ضعفه في زمن يتشظى ما بين ذهاب الذاكرة وإيابها على وقع تداعيات تفرضها ملابسات اللحظة الراهنة، رحلة تختلط فيها الصور والأمكنة،
وتتعدد فيها مستويات اللغة ما بين الشعري والفصيح والمحكي البذيء، وفي كل مفاصل هذه الرحلة المرهقة كان ولا يزال واقع الكتاب شاهدا على الحصار المفروض حول المثقف، فكما يقول اللورقي: «انتقال الكتاب بين بلاد العرب أصعب وأخطر من تهريب السلاح» (ص97).
دمشق ـ تهامة الجندي
تتمحور رواية نبيل سليمان الجديدة «دلعون» حول علاقة المثقف المعارض برجل الأمن والدوائر الرسمية، فبطل الرواية هو الكاتب المعارض دريد اللورقي، وبطلة الرواية هي ابنة خاله الناقدة والمناضلة المنفية بسيمة، وفي المقابل تتعملق صورة جابر العتعوت الأخ للمناضلة ورجل الأمن الذي يخشاه الجميع.
ومن خلال أقطاب العائلة الثلاثة تتبلور اللعبة الروائية لترسم واقع المثقف العربي مبدعا كان أم سياسيا في علاقته المأزومة مع السلطة، تلك العلاقة المبنية على القهر والتوجس التي تتدنى من شأن المثقف اجتماعيا، وتربكه نفسيا، فيتلاشى أثره المفترض، وتنكسر أحلامه تحت وطأة التهديد والذعر، وقد صدرت الرواية هذا العام عن دار الحوار في اللاذقية، وهي تتألف من ثلاثة فصول موزعة على 247 صفحة قطع متوسط. أولى الشخصيات التي تقدّمها الرواية هي شخصية الكاتب دريد اللورقي، وهي شخصية محورية ومفتاحية، فمن خلال تاريخها وتجربتها وعلاقاتها وذاكرتها تتقدم وتتبلور الشخصيات الأخرى، وفي بنيتها الداخلية يتماهى صوت السارد الخارجي تارة وصوت المؤلف تارة أخرى،
مما يجعلها في بعض جوانبها تستعين بسيرة المؤلف الذاتية إلى حد ما، واللورقي كما تصفه سطور الرواية هو الأستاذ الجامعي الشهير باليساري والملحد والمتحلل، عمل في شبابه على توحيد صفوف اليسار، وحمل الدكتوراه من يسوعية بيروت، ولم تسمح له الجهات الأمنية بالعمل من داخل الملاك الجامعي فعمل من خارجه، بعدها سافر إلى الإمارات ودرّس في جامعة الشارقة لمدة خمس سنوات، ثم عاد إلى وطنه ليتفرغ لكتابة الرواية والمقالات.
ظروف هذا الكاتب، هواجسه، أحلام يقظته وتداعياته هي المفاتيح التي تستحضر الشخصيات الأخرى، وباستثناء رجال الأمن فإن أغلب الشخصيات الحاضرة ينتمي إلى النخبة المثقفة والمسيّسة، وكلها ضحايا للقمع والقهر،
ومع أنها كذلك لا يقدمها الراوي بصورة مثالية مغسولة من الأخطاء، بل يقدمها بسلبياتها، بمناطق ضعفها وارتكاساتها، وتحتل تجربة النساء المسيسات مساحة كبيرة في هذا السياق، واللافت هنا أن علاقة الكاتب المثقف (اللورقي) بأغلب نساء الرواية هي علاقة قائمة على الشهوة ومأخوذة من زاوية نظر وحيدة هي زاوية الجسد، علاقات عابرة وسريعة ومدانة في بعض الأحيان كعلاقته بخالته أو علاقته بزوجة أخيه،
وهذه العلاقات تستدرج الكثير من المشاهد والتوصيفات الجنسية التي يوردها الكاتب دون تورية، أما الشخصية النسائية الأهم فهي ابنة الخالة الجميلة بسيمة العتعوت التي هربت من جامعة حلب والتحقت بالمقاومة الفلسطينية صيف 1982، ولقبت نفسها باسم أمها دلعون، وتزوجت الفلسطيني معاوية قدور، وأنجبت غسان، عاشت مدة في موسكو ومدة في النرويج،
ثم انتقلت للتدريس في جامعة الشارقة حيث التقاها الكاتب وشُغف بها، وفي هذه الشخصية التي تتربع على عرش الذاكرة والمشاعر في النصف الأخير من الرواية يتماهى صوت الكاتب الداخلي وصوت الناقد اللاذع بصوت الأنثى الحلم حين تقول في الصفحات الأخيرة: «لا أنت حر ولا أنا حرة، أنت ترش في كتابك وفي حديثك بهارات من البذاءة، ماركة مغشوشة.
لغتك يا دريد مثل لغتي فقيرة ومخصية، أكابرية ومتعالية، وهي ليست لغة الحياة أيها الكاتب الميت، هذه لغة لا تحس بالكون» (ص238). تبدأ الحكاية من اللورقي وهو يستعد للسفر إلى الشارقة بناء على دعوته للمشاركة في معرض الكتاب، والرحلة يتخللها لقاء الروائي بأصدقائه القدامى ومحاضرة يلقيها حول الدكتاتور في الرواية العربية،
وهي تنتهي بتوقيفه في مطار دمشق لمدة يوم وعدد من اللكمات تصيب ظهره بآلام مبرحة وتطرحه في الفراش، ومحطات هذه الرحلة القصيرة التي لا تتعدى الأيام تفتح الذاكرة على عمر بأكمله: سنوات الطفولة والشباب، مرحلة المد اليساري والحماس والنضال السري، الاقتتال ما بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين،
الرفاق الذين اعتقلوا وأؤلئك الذين فروا وعاشوا في المنافي والذين تتقاطع تجاربهم مع تجارب عرب آخرين منفيين، تنفتح الذاكرة على هدي التداعي وتعانق أحلام اليقظة دون تسلسل للأحداث المتفرعة أو تحديدات زمنية أو مكانية صارمة،
تنفتح عبر الإشارات والإحالات والتقديم والتأخير، لترسم معالم مرحلة الحلم بتغيير الواقع العربي والدفع به نحو الأمام، مرحلة انتهت بهزيمة نكراء على كافة الصعد والمستويات، وانتهت بردات وانتكاسات خطيرة شملت معظم رفاق الدرب.
إذن هي رحلة تستدرج رحلة أخرى في أعماق الكاتب وماضيه، في ظروف حياته وإشكالاته ومناطق ضعفه في زمن يتشظى ما بين ذهاب الذاكرة وإيابها على وقع تداعيات تفرضها ملابسات اللحظة الراهنة، رحلة تختلط فيها الصور والأمكنة،
وتتعدد فيها مستويات اللغة ما بين الشعري والفصيح والمحكي البذيء، وفي كل مفاصل هذه الرحلة المرهقة كان ولا يزال واقع الكتاب شاهدا على الحصار المفروض حول المثقف، فكما يقول اللورقي: «انتقال الكتاب بين بلاد العرب أصعب وأخطر من تهريب السلاح» (ص97).
دمشق ـ تهامة الجندي